الشروق ميديا - نواكشوط : في بلاد يطلق عليها تندرا (بلاد المليون سياسي) بلاد متقلبة سياسيا حيث لا مكان فيها للثبات الطويل ولا ولاء يدوم بلا اختبار، يبرز منذ فترة وزير اسمه المختار ولد اجاي كحالة خاصة: رجل لا يختفي عن المشهد منذ أن برز اسمه في الحكومة قبل أكثر من عقد وزير لا يتصدر الواجهة بلا حساب، لكنه يظل حاضرًا حيث تُصنع القرارات. ليس الأكثر شعبية، ولا الأكثر خطابًا، لكنه بالتأكيد من الأكثر دهاء.
تحتاجه السلطة… حتى لو اختلفت معه
في الأنظمة السياسية الهجينة، لا يُقاس النفوذ فقط بالخطاب أو الحضور الجماهيري، بل بالقدرة على التنفيذ. وهنا تحديدًا بنى ولد اجاي صورته: “رجل المهام الصعبة”.
هو ذلك المسؤول الذي لا يُطلب منه أن يكون محبوبًا، بل أن يكون فعّالًا. وهذه ميزة مزدوجة: تمنحه ثقة الرؤساء، لكنها في الوقت نفسه تخلق له خصومًا في كل اتجاه.
ا(لسلطة تحتاج “محصّلين” أكثر مما تحتاج منظّرين) تلك قاعدة فهمها المراوغ السياسي مبكرًا، فاختار أن يكون أداة الإنجاز لا واجهة الصراع.
بين المحمدين.. كان العبور الآمن لحقل الألغام
أن يعمل رجل بثقة مع محمد ولد عبد العزيز ثم يحافظ على موقعه مع نقيضه محمد ولد الشيخ الغزواني، فذلك ليس مجرد حظ سياسي.
إنه تعبير عن مهارة نادرة في قراءة التحولات دون الاصطدام بها.
ولد اجاي لم يكن رجل مواجهة في عهد ولد عبد العزيز، ولم يتحول إلى خصم له بعد خروجه من السلطة، كما لم يقدم نفسه كـ“رجل قطيعة” مع الماضي في عهد ولد الغزواني. بل اختار موقعًا ثالثًا: رجل الاستمرارية الوظيفية داخل التغيير السياسي.
هذا التموضع، رغم ما يبدو عليه من حياد، هو في الحقيقة خيار عالي المخاطر، لأنه يجعله دائمًا تحت مجهر الشك من جميع الأطراف.
من قفص الاتهام إلى قلب القرار
في سياق ملف عشرية ولد عبد العزيز، كان من المنطقي أن يتراجع دور كثير من الوجوه المرتبطة بتلك المرحلة. لكن ما حدث مع ولد اجاي كان مختلفًا.
خروجه من ذلك الملف دون نهاية سياسية، بل وعودته إلى موقع حساس كمدير لديوان رئيس الجمهورية يُنظر إليه كأكبر خصم للنظام السابق، لم يكن مجرد “تسوية”، بل يعكس إعادة تعريف لدوره داخل المنظومة.
هنا تتجلى براغماتية السلطة: فهي لا تستغني عن الكفاءات التنفيذية حتى لو كانت مثيرة للجدل، كما تتجلى براغماتية الرجل: القبول بإعادة التموضع بدل المواجهة.
طموح بلا إعلان… وانتظار اللحظة المناسبة
في السياسة، أخطر الطموحات هي تلك التي لا تُعلن ولد اجاي لا يتحدث عن الرئاسة، لكنه يتصرف كرجل يدرك أن الطريق إليها لا يُبنى بالتصريحات، بل بتراكم النفوذ، وبناء الثقة داخل النظام، والقدرة على البقاء حين يسقط الآخرون لم يتحدث أنصاره يوما عن طموحاته الرئاسية لكن الجميع يفهم أن ديناميكية الرجل حملة رئاسية سابقة لأوانها بأعوام عديدة.
يمسك العصا من المنتصف، لا يزاحم، لكنه لا يبتعد. لا يقود معركة، لكنه حاضر في نتائجها.
وهذا النمط من السياسيين غالبًا ما يظهر في اللحظات الانتقالية، حين تبحث الأنظمة عن “حل وسط” بين الولاء والكفاءة.
كثرة الأعداء.. ثمن البقاء في مركز القرار
لا يمكن لرجل في موقع ولد اجاي أن يكون بلا أعداء وخصوم حتى من داخل المنظومة.
دوره التنفيذي وقرارته صنعت له جبهة واسعة من المعارضين، من داخل النظام وخارجه.
المفارقة أن هذه العداوات نفسها هي دليل على موقعه.
في السياسة لا يُستهدف إلا من هو مؤثر.
ما يميز رئيس الحكومة ولد اجاي ليس غياب الأزمات، بل طريقته في إدارتها: صمت، امتصاص، ثم إعادة تموضع. لا يرد كثيرًا، ولا يشرح، لكنه يستمر وذلك مثل قصة تجار الهواتف ووكالات التحويل المالية.
صمود في وجه الموج … أم مهارة في النجاة؟
هل ما يملكه ولد اجاي هو صمود في وجه أمواج سياسية عاتية أم مجرد مهارة في السباحة ؟
الصمود يعني امتلاك مشروع، أما النجاة فتعني القدرة على التكيف.
حتى الآن، يبدو أن الرجل يتقن الثانية أكثر من الأولى، لكن ذلك لا يمنع أن تتحول هذه القدرة إلى رصيد سياسي كبير إذا ما توفرت اللحظة المناسبة.
رجل النظام أم مشروع مرحلة قادمة؟
ويبقى المختار ولد اجاي نموذجًا سياسيا لا يمكن تصنيفه بسهولة: ليس إصلاحيًا بالمعنى التقليدي، ولا محافظًا بالمعنى الصارم، بل هو ابن النظام بامتياز… لكنه في المقابل أحد أكثر القادرين على التكيف مع تغيراته.
قد لا يكون الرجل الأكثر شعبية، لكنه بالتأكيد من الأكثر حضورًا في مفاصل القرار.
وقد لا يكون مشروع رئيس مُعلن، لكنه بلا شك أحد الأسماء التي يصعب تجاهلها في أي معادلة سياسية قادمة.
في بلد تتغير فيه المواقع بسرعة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيظل ولد اجاي مجرد مكلّف بالمهام الصعبة (بصيغة اسم المفعول)؟ … أم سيتحول يوما ما إلى مكلِف بالمهام (بصيغة إسم الفاعل).
المختار ولد بابتاح





.jpg)

